
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم، تسعى الدولة المصرية جاهدةً لمواكبة هذه الثورة الرقمية من خلال مشاريع استراتيجية ومبادرات حديثة تهدف إلى بناء مجتمع رقمي متكامل. تعكس هذه الجهود التزام مصر بتعزيز مكانتها كدولة رائدة في مجال التكنولوجيا على المستويين الإقليمي والعالمي، مع التركيز على تطوير البنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وما لهذه المجالات من انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري.
تُعد البنية التحتية الرقمية الركيزة الأساسية لأي مجتمع رقمي، وقد أولت الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بهذا المجال من خلال تنفيذ مشاريع قومية طموحة. تشمل هذه المشاريع استبدال الكابلات النحاسية بكابلات الألياف الضوئية لتوفير إنترنت فائق السرعة، حيث تم ربط آلاف المباني الحكومية بشبكات حديثة لتعزيز كفاءة الخدمات الرقمية المقدمة للمواطنين. كما تشمل الجهود نشر كابلات الألياف الضوئية في القرى ضمن مبادرة “حياة كريمة”، بهدف سد الفجوة الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية ودعم التنمية الشاملة.
من أبرز المشاريع أيضًا إنشاء مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية ، الذي يُعتبر بمثابة “عقل إلكتروني” للدولة، حيث يتيح تجميع وتخزين وتحليل المعلومات الخاصة بالجهات الحكومية، مما يساعد في إدارة الأزمات واتخاذ القرارات الاستراتيجية. كذلك، تم إنشاء مركز التحكم والسيطرة بالعاصمة الإدارية الجديدة وفق أعلى المعايير، لضمان حماية البنية التكنولوجية ومنع أي اختراق أو دخول غير مصرح به.
كما أطلقت مصر الإصدار الثاني من استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2025-2030، بهدف تعزيز التحول الرقمي وتحقيق التنمية المستدامة، حيث تركز على محاور مثل الحوكمة لضمان الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية للحوسبة المتقدمة، ودعم الابتكار وريادة الأعمال. تهدف هذه الاستراتيجية إلى جعل مصر مركزًا إقليميًا رائدًا في هذا المجال، مع التركيز على زيادة مساهمة قطاع تكنولوجيا المعلومات في الاقتصاد الوطني وإنشاء شركات ناشئة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ومن المبادرات الحديثة أيضًا منحة وزارة الاتصالات للتدريب على الذكاء الاصطناعي، التي تُعد من أنجح المبادرات على مستوى المنطقة، إلى جانب مبادرة “أشبال مصر” التي تهدف إلى إعداد جيل متميز من النشء قادر على اكتشاف آفاق جديدة في تكنولوجيا المعلومات. كما أصدرت مصر الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول، الذي حظي بترحيب واسع لتعزيز التطبيق الأخلاقي لهذه التقنية. وتُسهم الجامعات المصرية في بناء القدرات البشرية من خلال برامج متخصصة، مثل تلك المقدمة في جامعة مصر للمعلوماتية وجامعات أهلية أخرى، مما يضمن إعداد جيل قادر على قيادة هذا التحول التكنولوجي.
أيضا لم تغفل الدولة المصرية عن أهمية الأمن السيبراني كركيزة أساسية للتحول الرقمي، حيث أسست المجلس الأعلى للأمن السيبراني في عام 2014 لوضع استراتيجيات وطنية لحماية البنية المعلوماتية للدولة. كما تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني لتقديم خدمات آمنة ورفع مستوى الوعي بمخاطر الهجمات الرقمية. تشمل الجهود إنشاء مراكز متخصصة لرصد ومواجهة الهجمات السيبرانية، وتدريب الكوادر الفنية داخل الجهات الحكومية والخاصة، إلى جانب تحديث الأطر التشريعية مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون حماية البيانات الشخصية.
جدير بالذكر أن مصر تعزز الشراكات الدولية والإقليمية من خلال اتفاقيات تعاون مع دول ومنظمات رائدة في الأمن السيبراني لتبادل الخبرات، وتطلق حملات توعية موسعة لنشر ثقافة الأمن الرقمي بين المواطنين والشركات. ومن الإنجازات البارزة إطلاق القمر الصناعي “طيبة-1” في عام 2019 لحماية الأمن القومي الإلكتروني وتغطية الدولة بالكامل وبعض الدول المجاورة.
من المعلوم ان التكنولوجيا الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني تُشكل دعامة أساسية لتعزيز الأمن القومي المصري. فالذكاء الاصطناعي يوفر إمكانيات غير مسبوقة لتحليل البيانات الضخمة ورصد التهديدات الأمنية، مثل الإرهاب أو التحركات المشبوهة، من خلال أنظمة المراقبة الذكية وتحليل الاتصالات الإلكترونية، مما يضمن استجابات أمنية أسرع وأكثر دقة. كما يلعب دورًا فعالًا في تعزيز الأمن السيبراني باستخدام أنظمة تعلم الآلة للكشف عن الهجمات الرقمية قبل وقوع الأضرار.
من ناحية أخرى، يُعد الأمن السيبراني حائط صد ضد التهديدات الرقمية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية والبيانات الحساسة، حيث تُسهم الجهود المصرية في حماية مكتسبات التحول الرقمي ومنع الهجمات التي قد تزعزع استقرار الدولة. ومع ذلك، تظل هناك تحديات تتعلق بمخاطر الذكاء الاصطناعي، مثل نشر المعلومات المضللة أو استغلال الثغرات في الأنظمة لشن هجمات إلكترونية، مما يتطلب استمرار تطوير الاستراتيجيات الدفاعية.
تُظهر هذه الجهود المتكاملة التزام الدولة المصرية ببناء مستقبل رقمي يعتمد على أحدث التكنولوجيات العالمية. من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمن السيبراني، تُرسخ مصر مكانتها كقوة إقليمية رائدة في هذا المجال. ومع استمرار هذه المشاريع والمبادرات، تُعزز الدولة قدرتها على حماية أمنها القومي ومواجهة التحديات المعاصرة، مما يفتح آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي في المستقبل.
